نجيب صعب، تشرين الأول 2026
التجارة غير الشرعية بالنفايات كانت موضوع حلقة من برنامج «للقصة بَقِيّة» على قناة الجزيرة. بدأت الحلقة بتقرير شامل يعرض تصدير النفايات الخطرة والسامة من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة، عن طريق عصابات دولية تجني عشرات المليارات من الأرباح. وقد حذّرتُ في مداخلتي من أن المشكلة لا تنحصر في تصدير آلاف أطنان النفايات من دول صناعية غنية إلى دول نامية فقيرة، بينها دول عربية، بأساليب غير شرعية، بل أيضاً في النفايات التي تنتجها البلدان النامية محلياً ويتم التخلُّص منها بلا معالجة. فالنفايات المحلية، كما المستوردة، تلوِّث التراب والهواء والمياه. وأشرتُ إلى أن بعض المواد المستخدمة في البلدان العربية بلا رقابة جدية، في الصناعة والزراعة، وحتى في البيوت، هي بالفعل مواد ضارة شديدة السمية، مثل أنواع من المنظفات والمطهرات والمبيدات والأسمدة، التي تلوِّث الطبيعة وتُضرّ بالإنسان، في حين يتم تداولها على أنها مواد شرعية مسموحة، بسبب ضعف القوانين وغياب الرقابة الجدية.
المشكلة الكبرى تكمن في ثغرات تَشوب الاتفاقات الدولية والقوانين المحلّية حَول تصنيف النفايات، وهذا ما يستغلّه تجار الموت، الذين يقدمون وثائق كاذبة صادرة عن جهات فاسدة أو غير مؤهلة، تصِف المواد بأنها قابلة لإعادة التدوير والاستعمال بنسبة 50 في المئة مثلاً. وحين تُشحن إلى بلد لا يملك إمكانات المعالجة الكاملة، يتم استخراج الأجزاء ذات القيمة التجارية من النفايات، وتُرمى البقية في الأرض أو البحر أو الأنهار، أو تُحرق لتلوِّث الهواء. وجهل هذا الجانب أو تجاهله يدفع البعض إلى الادعاء أن «النفايات ثروة»، في حين أن معالجتها المتكاملة عملية مكلفة. إذ بينما تستخرج مافيا النفايات المواد الثمينة منها، لا تُكمِل إلى المرحلة الثانية المكلفة، أي المعالجة الصحيحة لما تبقى من مخلّفات سامة وخطيرة.
وأعدتُ التذكير بالخطة التي كانت الحكومة اللبنانية وافقت عليها عام 2015 لتصدير النفايات إلى الخارج، بكلفة 200 دولار للطن الواحد، بما يشمل المعالجة المتكاملة. لكن المعروف أن المافيا المحلية-الدولية تدفع في هذه الحالات مبلغاً صغيراً للشحن، وتتخلّص من الحمولة في البحر، لتربح ما يزيد عن 150 دولاراً بالطن على الفور، أو توصلها إلى بلد بلا رقابة، حيث تُرمى أو تُحرق عشوائياً، بعد استخراج بعض المواد ذات القيمة التجارية، وتجني أرباحاً هائلة تتقاسمها مع المتواطئين، في بلد المنشأ وبلد المقصد، من موظفين ومسؤولين محليين ودوليين فاسدين، على أعلى المستويات. وحين سقط المشروع اللبناني، بعدما كَشفتُ في مقالات وتصريحات عن أن الأوراق مزوّرة وفضحتُ بالوثائق أن الشركة «الهولندية» المزعومة وراء العملية وهمية، وهي متواطئة مع رجال أعمال ومسؤولين محليين وموظفين دوليين يغضّون النظر، نصحني مسؤول كبير صديق في منظمة دولية بالحذر، لأن المتضررين من أصحاب النفوذ وتجار النفايات لا يختلفون عن مافيات المخدرات والسلاح، فاستمعتُ إلى النصيحة وقضيتُ فترة مبتعداً خارج البلد. والمعيب أنه لم تتم محاسبة أحد على أي مستوى في هذه الفضيحة الإجرامية، بل إن بعض المتورطين حصلوا على مناصب عُليا لاحقاً. والمفارقة أن بعض الجماعات التي تحمل شعار البيئة دافعت عن الصفقة، واتهمتني حين سقطَت بأنني كنتُ وراء إغراق البلد بالنفايات.
خلاصة حديثي كانت أن الحل الجذري يكمن في تخفيف كمية المخلّفات، باعتماد مبادئ الاقتصاد الدائري، من إعادة الاستخدام والتدوير، ومنع تداول المنتجات القصيرة الأجل، وتحميل المصنِّعين مسؤولية منتجاتهم من المهد إلى اللحد. والمطلوب أيضاً وضع قوانين وقواعد صارمة وواضحة وتنفيذها، وفرض عقوبات رادعة تفوق قيمة أرباح مافيا النفايات أضعافاً. وهذه تشمل التجار الفاسدين، والمسؤولين الحكوميين المتواطئين، إضافة إلى بعض مسؤولي المنظمات الدولية المعنية الذين يهمهم إرضاء الحكومات، ولو كانت فاسدة، للحفاظ على مناصبهم، قبل القيام بواجبهم في حماية البشر والطبيعة. كما شددتُ على أهمية إعطاء المجتمع المدني والجمهور عامة حرية أكبر في فضح المخالفات، ودور وسائل الإعلام في هذا المجال، إذ إنها غالباً ما تتحدث عن التلوُّث على سطح المريخ في حين تبتعد عن العمل الاستقصائي الجدي في محيطها المباشر، إما كسلاً أو خوفاً من العقاب.
وأختتمُ بتكرار عنوان البرنامج: «للقصة بَقِيّة»، إذ إن لها بَقِيّة طويلة جداً سيحين وقتها.
|